ايامنا الحلوة

نعيب زماننا والعيب فينا*** وما لزماننا عيب سوانا*** فدنيانا التصنع و الترائى *** ونحن به نخادع من يرانا*** وليس الذئب يأكل لحم ذئب *** ويأكل بعضنا بعضا عيانا

الثلاثاء، 21 أكتوبر 2008

لماذا يركب هؤلاء الاتوبيس؟


لماذا يركب "هؤلاء" الاتوبيس؟

سؤال طرحه مشمش ابن طنط سميرة جارتنا "سابقًا" - أى قبل بناء البرج الملاصق لعمارتنا، والذى انتقلت اليه، والذى جعل عمارتنا تتحول من عروس الشارع الى قزم الشارع، او قنفد الشارع.

المهم، وجدت طنط سميرة فى السؤال فرصة جيدة لغرس قيمتى العمل والعمل لدى مشمش، ذو السبع سنوات، فاجابت على الفور يركب "هؤلاء" الاتوبيس لانهم ليسوا مثل ابيك الذى ذاكر واجتهد منذ ان كان صغيرًا مثلك، ومن ثم اصبح محاميًا يمتلك سيارة- اعتقد انها كانت 128 حمراء أو ماشابه- واستطردت طنط سميرة مؤكدة ان هناك طريقين فى الحياة يختار كل انسان بكامل ارادته ايهما يسلك: طريق المذاكرة والاجتهاد ومن ثم النجاح وركوب السيارات، وطريق الكسل الذى يؤدى الى الفشل وينتهى بصاحبه الى ركوب الاتوبيس، ليصبح واحدًا من "هؤلاء".

حكت لنا طنط سميرة هذه الحكاية فى احدى ليالى الصيف- لم يكن يتعدى عمرى فى ذلك الوقت العشر سنوات- واختتمتها برد مشمش الذى ارتعد من هذا المصير - فالاتوبيس فى ذلك الوقت كان يتطلب مهارة حفظ التوازن فى حالة ركوبه وقوفًا، فاذا افتقد الراكب تلك المهارة، وتصادف وقوفه وحده بالاتوبيس او مع عدد قليل من الركاب، وهو ما يحدث كثيرًا، اصبح عرضة للانزلاق فى فضاء الاتوبيس، وربما انتقل دون ارادته من شمال الكمسرى الى يمين السائق هرولة، أو جريًا، أو زحفًا بتعًا لمهارته وقدرته على ضبط النفس- والتفت مشمش الى والده يسأله ان كان سيسمح له بالركوب معه بسيارته حال فشله فى الدراسة، ضحكنا على الترفة لاسيما واننا كنا نمثل ارستقراطية العمارة، الاسرتين الوحيدتين من بين اربعة عشر اسرة اللتان يمتلكا سيارة خاصة.

لا اعرف ان كانت الحكاية قد اثرت فى مشمش واتت ثمارها المرجوة ام لا، ولكن بلا شك- وللاسف- اثرت فى، بل وامنت بها، فهى منطقية، وتتماشى مع ما هو مكتوب على ظهر الكراس واوراق النتيجة وكتاب القراءة "من جد وجد ومن زرع حصد".

مرت ثمانية اعوام، لم اركب الاتوبيس خلالها فقد كان لدينا سيارة- فيات ايضًا- اجتهدت خلال هذه السنوات، كنت دائمًا الاولى على المدرسة، لم اكن احلم بامتلاك سيارة، ولم اكن اخشى ان اصبح من "هؤلاء" الذين يركبون الاتوبيس، لقد اردت فقط ان اكون فى جانب المجتهدين الاخيار، لا من الكسالى المشاكسين الذين سيعاقبهم الله بركوب الاتوبيس فى الدنيا، والخزى امامه يوم القيامة، يوم يسألهم عن وقتهم فيا اضاعوه.

حصلت على الثانوية العامة بمجموع كبير، واصبح الطريق ممهدًا للاتحاق باحسن كلية، هكذا كانوا يلقبونها.
انهالت الهدايا والملابس الجديدة، ولاحت فى الافق ابواب الجامعة، ودقات ساعتها الكبيرة، والمستقبل المزدهر.
ولكن ليس بالمجموع وحده يذهب المرء للجامعة، فلابد من سيارة.

رفض طلب امتلاك سيارة، ورفض طلب قيادة سيارة الاسرة " فى هذه السن الصغيرة - 18 سنة".
انعقد مجلس الاسرة الصغيرة ونوقشت البدائل: سيارات الاجرة تخطف الفتايات والسيدات- هكذا اصرت أمى ولم تركبها وحدها قط- المترو والميكروباص اختراعان لم يكن سكان القاهرة يعرفونهما فى ذلك الوقت - بداية التسعينات.لم يبقى سوى الاتوبيس.

بذل مجلس الاسرة الصغيرة جل جهده لاقناعى بان ركوب الاتوبيس شرف لكل مواطن فلم يفلح الامر، اقسم المجلس انه ليس كل الاتوبيسات على قدم المساواة، فبعضها خال تقريبًا من الركاب، أى بمثابة سيارة خاصة ولكنها اكبر. واضاف المجلس ان بعض خطوط الاتوبيس لا يركبها تقريبًا سوى طلبة وطالبات الجامعات، ومن ذلك الاتوبيس المرشح لى، فبدأت اقتنع.

اجريت التجارب الاولية، مشينا خمس دقائق حتى وصلنا الى موقف الاتوبيس، وجدنا عدة اتوبيسات منتظرة راكبيها، استقللنا الاول، بدأ السير وقد امتلأ ما يزيد عن نصف مقاعدة بقليل، جميعهم تقريبًا من الزملاء والزميلات. تقبلت الفكرة بصدر رحب بعد ان اقتنعت بان استقلال الاتوبيس هو مرحلة فى حياة كل انسان مكافح، وان من يذهب لكليته بالاتوبيس افضل ممن يذهب بسيارة اشتراها له ابواه. كانت مازالت بالاجواء بعض بقايا الاشتراكية، استنشقتها فسارت الامور.

مرت سنوات الدراسة على اكمل وجه، تخرجت بتفوق، والتحقت فى ذات العام بوظيفة محترمة بدون واسطة، وتطلعت الانظار للنجاح المبهر.

مرت خمسة عشر عاما، رأيت الاتوبيس، تأملته، كيف لم الحظه من قبل، لقد تغير كثيرًا، ليس فقط اللون ولكن كل شئ فيه قد تغير.
لقد اصبح مائلاً رغم ان ركابه على الجانبين.
واختفت ابوابه التى اتذكر انها كانت تغلق وتفتح فى المحطات.
وربما اختفى السلم ايضًا، فلا احد يعرف ان كان مازال موجودا تحت الكتلة البشرية النافرة من الباب ام لا.
واختفت كل الفراغات التى اذكر انها كانت موجودة داخل الاتوبيس.
ولابد وانه قد اختفت معها كل معالم الانسانية والشرف.
لم يبقى سوى البشر.

قفز الى ذهنى فجأة سؤال مشمش "لماذا يركب "هؤلاء" الاتوبيس؟"
واجابة طنط سميرة.

ولكن كيف يكون هؤلاء كسالى مستهترون؟
ان ركوبهم الاتوبيس بهذا الاصرار هو فى حد ذاته كفاح ونضال يفوق الجد والاجتهاد اللذان خبرتهما طوال حياتى.
كيف يتصور ان يكون اى من هؤلاء تلميذًا بليدًا، او عامل كسول؟
حتى وان كان كذلك يومًا، الا يكفر ركوبه الاتوبيس عشرة ايام او عشرين يومًا عن خطاياه؟
هل الرسوب فى الاعدادية مثلا سبب كاف للتعذيب مدى الحياة؟

انفرجت الضائقة المرورية، تحرك الاتوبيس امامنا ببطء، همس والدى "الحمد لله".
انتبهت الى انى داخل السيارة بجوار والدى،
وانتبهت ايضًا الى انى بعد كل هذا الطريق الطويل الذى قطعته بمتهى الجد والاجتهاد - 9 سنوات تعليم اساسى، 3 سنوات تعليم ثانوى، 4 سنوات تعليم جامعى،و 15 عامًا من العمل الدؤوب والاداء المتميز- بعد كل هذا لا املك سيارة،
ومن لا يملك سيارة يركب الاتوبيس مع "هؤلاء"

أما لماذا لم اركب الاتوبيس مع "هولاء" "الزملاء" فلان والدى- جزاه الله عنا خير الجزاء- قد سمح لى بركوب سيارته بعد أن "نجحت" أو "فشلت" -لا أعرف بالضبط- فى الحياة.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

الاشتراك في تعليقات الرسالة [Atom]

<< الصفحة الرئيسية