حبيبتى من تكون؟

على ذات الطاولة جلس رجل الأعمال م.م مع سكرتيرتة نيرمين، بعد انتهاء عشاء العمل وابرام احدى صفقاته الناجحة.
تهنئة نيرمين، وتهنئ نفسها بعمولتها التى يمنحها اياها المهندس م.م فى صورة هدية ذهبية، كم هو رقيق.
ولكن لماذا حزين؟ يضحك وعينيه حزينة تبحث عن شئ ما، او عن شخص ما.
لم تجرؤ نيرمين على السؤال يومًا، فهو حريص على الحفاظ على مسافة كافية بينهما، مسافة تمنعها وبقوة من مجرد تخيل اعجابه بها، كما يحدث فى المسلسلات، أو حتى مع صديقاتها اللاتى يعملن كسكرتيرات أو مديرات مكاتب، رغم انها تفوق الكثيرات منهمن جمال وذكاء.
نفس المكان دائماً، ونفس الطاولة، رغم اختلاف الضيوف والوفود والشركاء مابين امريكيين واوروبيين وعرب واحيانًا يابانيين وصينيين.
يختار الشركاء الموعد، وينفرد هو بتحديد المكان ولا يقبل تغييره.
اشارت نيرمين من قبل الى ان حديقة الشاى بسميراميس مكان انيق حقًا، والبيانو يضفى جوًا من الشاعرية والفخامة فى ذات الوقت، ولكن هناك اماكن انسب، فلاشك ان الضيوف الصينيون سيشعرون بالتقدير اذا تناولوا العشاء فى مطعم صينى، والامريكييون لابد وسيبهرهم سحر الشرق وجمال النيل فى المطاعم العائمة.
لم يلق هذا الحديث استحسانًا لدى الباشمهندس، وانهاه بكلمة واحدة "حديقة الشاى بسميراميس، واتركى لهم تحديد الساعة."
رغم حزن عينيه، ومهارته فى اخفاء مشاعره يسهل اكتشاف شغفه بالمكان.
بعد انصراف الضيوف يطلب نسكافيه له ولنيرمين.
يهنئان بعضهما البعض بالصفقة، وقد ينظر فى بعض الاوراق للتأكد من امضاء هنا أو شرط هناك، ثم يغوص فى كرسيه سارحًا فى الفضاء.
تبقى نيرمين او ترحل لا يهم، المهم أن يظل البيانو.
تشعر وكأن هناك لغة بينهما، انه لا يستمع اليه فقط، ولكن يقص عليه اخباره ويسترجع معه الذكريات، هكذا تشعر نيرمين دومًا، كما تشعر بغريزة الانثى ان هناك امرأة اخرى فى المكان.
رحلت وتركت عبيرها وشذاها وكلمات بعثرتها الايام، وظلت البسمات ينسجها البيانو فى كل مرة يلقى فيها عاشقة.
هل كانت عازفة البيانو؟ هل كانت تعمل هنا؟
لابد وان هذه طولتهما المعتادة ومحل اللقاء.
لابد وانه قد مر على ذلك سنوات طوال.
كل هذه السنوات ومازال يذكرها؟
وكل هذا النجاح وما زال يشعر بالفشل؟
ولكن لماذا فشلت هذه القصة التى لابد وانها قد كانت غاية فى الرومانسية؟
ربما كان فقيرا لم يستطع الزواج منها، رفضه اهلها ثم صنع كل هذا النجاح، وكل هذه الملايين.
مال ونفوذ، ولا وريث.
لا زوجة ولا ولد.
لماذا لا يتزوج، انه لم يتخطى الاربعين الا بسنوات معدودة؟
ألهذا المدى يكون الحب؟
انتهت اغنية عبد الحليم "حبيبتى من تكون؟"
وانتبهت علياء بعد ان اجاب خيالها على سؤالها المتكرر "كيف حال م.م الآن؟"
كيف هو بعد عشر سنوات من اللقاء الاول والوحيد بحديقة الشاى؟
ارضاها الخيال حتى اصبحت تضيف فصولاً جديدة للقصة الجميلة كل بضعة ايام او اسابيع، حسب الظروف والاغنيات.
فعلى انغام اغنية هانى شاكر"معقول نتقابل تانى؟" تخيلت يومًا انهما تقابلا فى ذات المكان، ولكن للاسف كانت قد تزوجت، وكم آلمها حزنه، وكم اصبحت هى حائرة بين الزوج والحبيب.
فى كل مرة تنتهى الاغنية وينتهى الحلم ذو الفصول اللانهائية.
ولكن هل هذا هو ما حد ث بالفعل؟
فى الواقع لا شئ منه قد حدث على الاطلاق.
فالمهندس م.م قد سافر الى الرياض بعد ايام من رفض العائلة الكريمة له، وظل يعمل هناك ليل نهار، لا ليعود من جديد، ولكن ربما ليملك المال الذى هزمه يومًا، وربما بحكم العادة.
الحياة هناك مملة، اقترح عليه احد الزملاء الزواج من احدى قريباته.
عائلة طيبة يدركون حقائق الحياة.
غضو الطرف عن الشقة والجهاز.
بعد عام كان متزوجا.
وبعد عام اخر اصبح متزوج ويعول.
لم يصبح رجل اعمال، ولا يملك الملايين، وليس لديه سكرتيرة.
وفى المرات القليلة التى زار فيها مصر لم يدخل سميراميس، ليس فقط لانه لم يتذكر علياء، ولكن لانه قد اصبح احد ضحايا الغربة.
يكسب الكثير، ويصرف القليل، ويدخر للاجيال القادمة.
ربما يكونون اسعد حظًا.

0 تعليقات:
إرسال تعليق
الاشتراك في تعليقات الرسالة [Atom]
<< الصفحة الرئيسية